من أجل فلسطين حرة غير مقسمة

Published in Filastin al-Thawra (probably in 1991)

من أجل فلسطين حرة غير مقسمة

الفكرة التي يدافع عنها الكاتب هي أقرب مما تكون إلى التالي إذا كانت ثمة علل بنيوية وإيديولوجية تحول دون إندماج إسرائيل في محيطها الشرق الأوسطي. فما الذي يمنع طلائع الجالية الناطقة بالعبرية في فلسطين من الإنخراط في الثورة الديمقراطية الفلسطينية. ويقول: هذه الرؤيا تبدو بعيدة الآن لكن الوعي يتطور(يتغير) بسرعة.

بقلم: الياس دفيدسون، فلسطين الثورة ١٩٩١

بالرغم من إنني لم أسكن فلسطين منذ كنت صغيراً ولكنني لا أُخفي عواطفي تجاه هذا البلد المُعذب النازف. ولدت سنه ١٩٤١ في فلسطين لأبوين مهاجرين نفيا من ألمانيا النازية. إنني مدين بوجودي لفلسطين. الأرض التي قدمت المأوى لأبوي, التي كان من الممكن أن أُقتل فيها . ولي من العمر أربع سنوات. حينما هاجمت مجموعه عربية غاضبة الحافلة التي كنا نسافر فيها, ولكن تم إنقاذي على يد فلاح عربي عجوز ولطيف. إنني أُفكر في فلسطين وقلبي ينزف على جروحها.

كانت سنواتي الأولى في ”باقة“ وهي ضاحية من ضواحي القدس, حيث كان اليهود والعرب يعيشون جنباً إلى جنب بسلام وكان لعائلتي علاقات جيدة مع العائلات العربية الفلسطينية في الجوار وأنا فخور في أن أقول أن والدتي تعلمت لغة البلد وبالنسبة لي فإنني لم أمسح من ذاكرتي ومن كياني الصور الأصوات الروائح والأحاسيس التي تغلغلت في هذه السن المبكرة, إني أحمل كل هذا الأحدث لنفسي لأجد فيه مصدر إلهام وطاقة حيوية.

لقد أبعدني مسار حياتي عن فلسطين. ولكن وبرغم المسافه البعيدة. فإن ولعي بمسقط رأسي لم يخفت. وإهتماماتي لم تخف في أن أراه يعيش بخير.

مثل معظم الأطفال ”الإسرائيليين“ خضعت في شبابي لجهاز حزبي صهيوني وقضيت سنوات المراهقة في فرنسا حيث إنضممت إلى حركة الشباب الإشتراكي الصهيوني هي ”هاشومير هاتسعير“ وأعجبتني النشاطات في هذه الحركة وسياستها وتأكيدها على الإشتراكية والإجتماعية. وعلى العدالة وعلى الشجاعة المدنية لكن علمونا مبادئ الصهيونية وكانت مهمة المرشدين المبعوثين خصيصاً من إسرائيل تتمثل في أن يجعلوا منا صهاينة صالحين وشددوا على أننا شعب خاص لأننا يهود ولا مكان آخر لنا تحت الشمس سوى فلسطين (كان المبعوثين يسمونها إسرائيل) وكانت الحجة الرئيسية المقدمة هي أن كل اللذين ليسوا يهوداً …. من الصين إلى البيرو ومن فنلندا إلى الكاميرون , يكرهون اليهود. عن قصد او بدون قصد… وعلى ذلك فإنه كان من الساذج خوض نضال ضد العنصرية أو التمييز العادي لليهود. وكان الدعاة هؤلاء لايرون أن مشاعر العداء لليهود او لليهودية متأصلة في شخصية (غير اليهود) وقد إنتقلت, إنتقلت بمعنى ما,بالوراثة من الأب إلى الولد. وفي سعيهم لرفع هذه الأسطورة القذرة إلى حالة القانون الطبيعي. كانوا يقولون لنا : أن الدولة القومية اليهودية وحدها قد تحفظ الأمن الشخصي ”لليهود“ .

من جانبي فإنني عارضت هذه المحاججة. فأنا لا أستطيع قبول هكذا أحكام مسبقة ضد الإنسانية. وتمثلت فلسفتي الخاصة في أن كل شخص لايمكن أن يصدّق ما لم يثبت العكس فيما أن تجربتي الشخصية. خاصة علاقاتي مع غير اليهود تناقضت تماماً مع هذه الأحكام المسبقة.

في ذلك الوقت لم أكن أعرف المرامي العملية للصهيونية  كما هي حقيقة. لكن هذه الرؤيا كانت تٌستقبل برعب من الصهاينة والقادة الدينيين اليهود. الذين يرون في أن الزواج المختلط كارثة على العرق اليهودي, يمكن مقارنتها بقوة مع ـ الهولوكوست ـ ولأنهم يرون في الإختلاط عملية إستيعاب لليهود وكتهديد لوجود الشعب اليهودي فإنه من المنطقي أن يحاولو مجابهة هذا (التهديد) بكل الوسائل المتاحة بما فيها الإرهاب الفكري والجسدي.

إن لازدراء الزعماء الصهاينة التقليدي للثقافات الشرق أوسطية جذوره في الآراء الإستعمارية ـ العنصرية الأوروبية لغير البيض . إذ أن إنخراط إسرائيل في مختلف النشاطات الأوروبية والإستفزازات المدروسة ضد الدول المجاورة والقمع المتطرف ضد الوطنية الفلسطينية ومايبدو لي أنه مرض مرعب يجعل النظام الصهيوني يأبى الدخول في حوار مع م ت ف . ماهي إلا علامات لتصرف غير عقلاني. إنها إشارة واضحة إلى الدول المجاورة والأمة العربية في أن إسرائيل لا ترغب أن تنخرط كعضو عامل. في حياة الشرق الاوسط  وسبق لفلاديمير جابوتنسكي المعلم الإيديولوجي للزعيمين الإرهابيين شمير وبيغن أن رأى في العشرينيات الحاجة في أن يبني المستوطنون الصهاينة حائطاً حديدياً بينهم وبين الفلسطينين سكان البلد الاصليين.

يتوجب عل كل أولئك الذين يصرّون على الحاجة إلى ضمان دولة إسرائيل المبنية على العقيدة والممارسة الصهيونية ان تصبح دولة مسالمة وملتزمة بالقانون بحيث تستطيع أن تنخرط في حياة الشرق الاوسط؟

من جانبي فإنني أعتبر أن النضال من أجل تحرير الجالية الناطقة بالعبرية في فلسطين (أي الإسرائيلين) بمثابة الحل المتطور للمسألة الفلسطينية الممثلة في م ت ف   هي التي تمسك هذا المفتاح وسبق ل م ت ف أن إتخذت إجراءات حذرة في ضم مناضلين ناطقين بالعبرية (إسرائيلين) في صفوفها إن هكذا إجراءات هي هامة لكنها حالات معزولة جداً لاتصنع حالة سياسية.

وينبغي أن نأخذ في حسابنا أن المجلس الوطني الفلسطيني يعتبر نفسه يمثل أولئك الفلسطينيين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم عرباً . هكذا فإن الغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيلين (الذين أٌفضل أن أسميهم الفلسطينين الناطقين بالعبرية) لا يرون في أنفسهم شركاء مؤثرين في الحركة الفلسطينية لأنهم لم يكونوا فيها مطلقاً. أو لم يدعوا للمشاركة فيها كأعضاء متساوين وهنا فإنني أتحدث أساساً عن أولئك التقدميين الإسرائيلين الذين قد يرغبون في الإنضمام إلى الصفوف إذا أُعطي لهم خيار مشرف لعمل ذلك.

اليوم تمسك الثورة الفلسطينية مفتاح الحل السياسي للقضية الفلسطينية. بينما تعتري الصهيونية حالة من التآكل (الإهتراء) السياسي . إنه من الواجب أن تستخدم الحركة الوطنية الفلسطينية مصداقيتها وسلطتها لبناء مستقبل يسوده السلام والرخاء لإولئك الذين يحبون بلدهم الاصلي فلسطين…. وذلك بدعوة شعب فلسطين بغض النظر عن الدين مكان الإقامة الحالي أو الإنتماء العرقي للمشاركة في الثورة الديمقراطية الفلسطينية وفي رسم أهدافها ووسائل نضالها ويمكن أن تتمكن الثورة الفلسطينية من إيجاد منهج يسهل خوض نضال مشترك لتفكيك الدولة الصهيونية واستبدالها بدولة فلسطينية ديمقراطية موحدة لكل السكان هذه الرؤية تبدو بعيدة الآن لكن الوعي يتطور بسرعة ومن المحتمل أن يستقبل العديد من الإسرائيلين بارتياح الإطار الإسرائيلي الفلسطيني المشترك للكفاح ضد البنيان الصهيوني.

++++++++++++++++